أحمد بن محمد ابن عربشاه

159

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قالت : وأنّى لي أصل إلى ذاك وقاك الله شر أذاك ؟ فقال : إذا نام وغرق في المنام فاحلقى منه بموسى لتكفى الضرر والبوسى ، وأنا آتيك بموسى يحلق الشعور فافعلي ذلك من غير أن يكون له شعور ، فاتفقا على ذلك الاتفاق ، وأتاها بموسى حلاق . ثم توجه إلى مولاه وقد أضمر له ما دهاه ، وقال : أشعرت يا ذا الفضائل إن زوجتك البديعة الشمائل تغير خاطرها عليك وتقدمت بالإساءة إليك ، ولولا أنك شفيق علىّ وعزيز مكرم لدىّ ما أنبأتك من أخبارها بشئ ، فإني أريد أن يكون ما أنهيته إليك مكتوما إلى أن يصير عندك محققا معلوما ، وقد أرسل إليها من يخطبها ، وأمالها عنك بما يرغبها ، واتفق معها أنها تقتلك وتستريح وتصبح في فراشك وأنت ذبيح ، وذلك يقوم بديتك وفد أرسل إليها من الجواهر والأموال أضعاف قيمتك ، فإن أردت مصداق هذا الكلام ، فتثاقل عندها في المنام ؛ ليزول الشك باليقين وتتحقق أنى من الصادقين ، فأثر هذا الكلام فيه وخاف من مكر النساء ودواهيه . فلما أقبل العشاء وأحضروا العشاء تناول من ذلك الطعام ، ونهض إلى الفراش لينام ، وأظهر بين القوم أنه غرق في النوم ، وغمض عينيه ، وانحط وسال لعابه وغط ، فنهضت الزوجة إليه وفتحت الموسى ودخلت عليه ، ومدت يدها إلى لحيته ووضعتها على ترقوته ، ففتح عينيه فرأى آلة الموت متوجهة إليه فما تمالك أن وثب عليها وجثم إليها ، وخرج زمام تفكره عن يد تأمله وتدبره ، وخطف الموسى من كفها وسقاها كأس حتفها . فلما رأى فوران الدم أدركه لاحق الندم ، وقد تبدل الوجود بالعدم ، ووقع القال والقيل واشتهر أمر القتيل ، وعلق في شر الاقتناص وعومل في صاحبه بالقصاص . وإنما أوردت هذا الكلام ؛ لتعلم أن ما أهلك الأنام ، وأوقعهم في شرك الأنام والكفر والفسوق والحرام مثل الكذب في الكلام ، وهو لنا أوثق زمام